اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

279

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

السابقة بطرق شتى في قالب أدبى . ومما زاد في تعقيد المسألة أن مفهوم الوحدة الجغرافية للعالم الإسلامي انكمش شيئا فشيئا نتيجة لاختلاف المصير التاريخي الذي أحاط بكل قطر من أقطاره . وإلى جانب كل هذا فقد قوى الاتجاه نحو الغريب والخارق والخارج عن المألوف . بنفس الصورة التي انعكس فيها هذا في المصنفات الجغرافية المتأخرة التي ظهرت باللاتينية في أوروبا الوسيطة 51 . ولعل الجهد في البحث عن نمط جديد يمكن تفسيره على ضوء ظهور اتجاه جديد في هذا العصر يرمى إلى الربط بين الجغرافيا الوصفية والجغرافيا الفلكية مرة أخرى . وهذا الاتجاه يبدو واضحا عند الإدريسى بالذات ، ولكن يقابلنا أيضا عند غيره ليس بدرجة أقل . وقد حدث أن مر بنا في أحد الفصول الأولى من هذا الكتاب ذكر الزهري جغرافى الأندلس لمننصف القرن الثاني عشر وكيف ركّز جهده في وصف ما سميت « بالخارطة المأمونية للعالم » . وكما رأينا فإن تقسيمه الأرض إلى ستة أقاليم تحبط بإقليم سابع يقع في مركزها وينقسم كل منها إلى ثلاثة أقسام إنما يرجع في الأرجح إلى النظريات الإيرانية القديمة عن السبع كشورات التي تنعكس في إحدى خارطات البيروني . ومما يدعو إلى الأسف أن تحليل هذه المشكلة يزيد من صعوبته عدد من النقاط الغامضة التي تحيط بالمؤلف نفسه ، وأيضا ذلك اللبس الذي يكتنف مخطوطات مصنفه 52 ؛ وعلى أية حال فقد ثبت في الآونة الأخيرة أن اسمه هو محمد بن أبي بكر الزهري ويظن أنه عاش بغرناطة حوالي عام 532 ه - 1137 ؛ ولما لم تكن الآراء متفقة اتفاقا تاما حول اسمه فإن البعض يدعونه وفقا لرأى دوزى بمؤلف المرية المجهول Anonyme d'Almerie 53 . والمقتطفات التي نشرت عن مخطوطاته المختلفة - - تتناول بوجه خاص مراكش والأندلس وصقلية 54 ؛ وقد أفرد لأسبانيا في مصنفه عناية أكبر ، أما تبويب الكتاب فيتمشى برمته مع وصف الأقاليم على التوالي ، كما يبدو من معطياته في الجغرافيا الفلكية ميل واضح إلى جميع أنواع العجائب 55 ؛ وهو في هذا الصدد يقص علينا حكاية من أكثر الحكايات تفصيلا وقيمة ، تلك هي أسطورة الشجرة المسحورة بجزائر واق الواق بالصين التي تثمر أشجارها كل عام نساءا بدلا من الفاكهة 56 . وخير مثال لمحاولة التقريب بين الجغرافيا الوصفية والفلكية ، وهي محاولة لم تكلل بالنجاح التام ، هو كتاب الإدريسى Idrisi ( أو Edrisi كما تعود أن يكتبه الأوروبيون منذ القرن السابع عشر ) . وهو أبعد من أن يكون أكبر الجغرافيين قاطبة داخل الإطار العام لتطور الأدب الجغرافي العربي ، بل ولا نستطيع أن نضعه في مصاف العلماء المبرزين الممتازين ، ورغما عن ذلك فكتابه أكثر الكتب الجغرافية باللغة العربية رواجا وصيتا في أوروبا ؛ إذ ليس هناك مؤلف حفظ لنا معطيات وافرة ذات قيمة كبرى عن بلاد الغرب كما فعل الإدريسى . وقد مر وقت كان فيه الممثل الوحيد للأدب الجغرافي العربي 57 في الدوائر العلمية الأوروبية ، أضف إلى هذا أنه لم يظهر مصنف مماثل له في وسط مثل الوسط الذي ظهر فيه ، وهو ذلك الوسط الفريد نصف العربي ونصف الأوروبى الذي تقدمه لنا صقلية في ذلك العهد .